الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

163

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالمثل أعيد معه فعل اذْكُرْ كما نبهنا عليه في قوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [ ص : 17 ] ، وقد تقدم الكلام على نظير صدر هذه الآية في سورة الأنبياء . وترجمة أيوب عليه السلام تقدمت في سورة الأنعام . وإذ كانت تعدية فعل اذْكُرْ إلى اسم أيوب على تقدير مضاف لأن المقصود تذكّر الحالة الخاصة به كان قوله : إِذْ نادى رَبَّهُ بدل اشتمال من أيوب لأن زمن ندائه ربّه مما تشتمل عليه أحوال أيّوب . وخص هذا الحال بالذكر من بين أحواله لأنه مظهر توكّله على اللّه واستجابة اللّه دعاءه بكشف الضر عنه . والنداء : نداء دعاء لأن الدعاء يفتتح ب : يا رب ، ونحوه . و أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ متعلق ب نادى بحذف الباء المحذوفة مع ( أن ) ، أي نادى : بأنّي مسني الشيطان ، وهو في الأصل جملة مبيّنة لجملة نادى رَبَّهُ ولولا وجود ( أن ) المفتوحة التي تصيّر الجملة في موقع المفرد لكانت جملة مبينة لجملة نادى ، ولما احتاجت إلى تقدير حرف الجر ليتعدّى إليها فعل نادى وخاصة حيث خلت الجملة من حرف نداء . فقولهم : إنها مجرورة بباء مقدرة جرى على اعتبارات الإعراب تفرقة بين موقع ( أنّ ) المفتوحة وموقع ( إنّ ) المكسورة ولهذا الفرق بين الفتح والكسر اطّرد وجها فتح الهمزة وكسرها في نحو « خير القول أني أحمد » . وقد ذكرنا في قوله تعالى : فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ في سورة [ الأنفال : 9 ] رأينا في كون ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون مركبة من ( أن ) التفسيرية ( وأنّ ) الناسخة . والخبر مستعمل في الدعاء والشكاية ، كقوله : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [ آل عمران : 36 ] ، وقد قال في آية سورة الأنبياء [ 83 ] أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . والنصب ، بضم النون وسكون الصاد : المشقة والتعب ، وهي لغة في نصب بفتحتين ، وتقدم النصب في سورة الكهف . وقرأ أبو جعفر بِنُصْبٍ بضم الصاد وهو ضم اتباع لضمّ النون . والعذاب : الألم . والمراد به المرض يعني : أصابني الشيطان بتعب وألم . وذلك من ضرّ حل بجسده وحاجة أصابته في ماله كما في الآية الأخرى أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [ الأنبياء : 83 ] . وظاهر إسناد المسّ بالنّصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مسّ أيوب بهما ، أي